في مدينة مثل الإسكندرية، حيث يمتزج عبق البحر بتاريخ الفن الشعبي والشرقي، تظهر من حين لآخر فنانة تذكّرك بأن الرقص الشرقي ليس مجرد حركة، بل إحساس وثقافة وحضور. ومن بين هذه الأسماء تبرز الراقصة الشرقية الإسكندرانية زهرة كواحدة من الوجوه التي تحمل روح المدرسة الكلاسيكية بروح عصرية جذابة.

زهرة لا تعتمد فقط على الجسد في التعبير، بل تعتمد على الروح أولاً. أداؤها فوق المسرح يحمل قدراً كبيراً من الهدوء والثقة، وكأنها لا ترقص لتلفت الانتباه، بل لترجم الموسيقى إلى حركة مفهومة. هي من النوع الذي يجعلك تتابع التفاصيل: حركة اليد، التفاتة الرأس، توقيت الخطوة، قبل أن تنتبه إلى الاستعراض ككل.
ما يميز زهرة أنها تنتمي بوضوح إلى مدرسة الرقص الشرقي الأصيل، لكنها لا تقع في فخ التقليد. هناك لمسة شخصية واضحة في أسلوبها؛ لمسة تجعل أداءها مختلفاً عن غيرها، حتى وإن رقصت على نفس الأغنية التي رقصت عليها عشرات الراقصات قبلها. لديها قدرة على إعادة تقديم الموسيقى بشكل بصري جديد.

ملامحها الإسكندرانية الهادئة تمنحها حضوراً خاصاً، فهي لا تعتمد على المبالغة في التعبير، بل على البساطة الراقية. وهذا النوع من الأداء يحتاج ثقة وخبرة، لأن الهدوء فوق المسرح أصعب بكثير من الصخب. وزهرة نجحت في هذا الاختبار.
كما تهتم زهرة كثيراً بتفاصيل الإطلالة؛ اختياراتها لبدل الرقص دائماً أنيقة وغير صاخبة، ألوانها مدروسة، وتصميماتها تخدم الحركة ولا تشتت المشاهد. فهي تدرك أن الزي جزء من العرض، وليس العرض كله.
زهرة تمثل نموذجاً للراقصة التي تحترم الفن الذي تقدمه، وتحترم الجمهور الذي يشاهدها. لا تسعى وراء الاستعراض المبالغ فيه، بل تسعى إلى ترك أثر فني هادئ يبقى في الذاكرة.
في زمن أصبح فيه الرقص يعتمد على السرعة والإبهار اللحظي، تقدم زهرة درساً مختلفاً: أن الرقص الشرقي في جوهره فن إحساس قبل أن يكون فن حركة.
